بقلم حسن النجارحسن النجار يكتب

حسن النجار يكتب: احترام الآخر واجب مقدس يصون كيان الإنسان

حسن النجار كاتبًا صحفيا ومستشارًا في الشؤون السياسية الدولية ورئيس تحرير الوطن اليوم

بقلم: حسن النجار

إن احترام الآخر ليس مجرد سلوكٍ اجتماعي نمارسه في تعاملاتنا اليومية، بل هو قيمة إنسانية راسخة تكشف عن حقيقة الإنسان ونضجه، وتعكس قدرته على إدراك أن لكل إنسان كيانًا ومشاعر وحقوقًا تستحق التقدير. فاختلافنا في الأفكار والرؤى والطباع لا ينتقص من قيمة أحد، ولا يمنح أي طرف حق التقليل من شأن الآخر أو إهانته أو مصادرة حقه في التعبير.

إن الإنسان الذي يحترم غيره إنما يحترم إنسانيته قبل كل شيء؛ لأن احترام الآخر يبدأ من الاعتراف بكرامته، وينمو بالتسامح، ويترسخ بالحوار، ويظهر في القدرة على الاستماع دون تعالٍ، والمناقشة دون تجريح،

حسن النجار يكتب احترام الآخر واجب مقدس يصون كيان الإنسان
حسن النجار يكتب احترام الآخر واجب مقدس يصون كيان الإنسان

والاختلاف دون خصومة. وليس من الضروري أن نتفق في كل شيء حتى نحافظ على الود والاحترام، فالاختلاف طبيعة بشرية، أما الإساءة والتنمر والتعصب فهي اختيارات يمكن للإنسان أن يتجاوزها بقدر ما يمتلك من وعي ورقي.

وتأتي قيمة التسامح في مقدمة القيم التي تحفظ للإنسان توازنه الداخلي وعلاقاته بالآخرين؛ فالتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق أو قبول الخطأ، وإنما يعني القدرة على التعامل مع الاختلاف بعقلٍ هادئ وقلبٍ متزن،

بعيدًا عن الرغبة في الانتقام أو الانتصار للنفس. وكلما اتسع صدر الإنسان للآخر، أصبح أكثر قدرة على فهمه، وأكثر استعدادًا لبناء علاقة تقوم على التقدير المتبادل.

والحوار هو الجسر الأهم الذي يصل الإنسان بالإنسان؛ فمن خلاله نتعرف إلى أفكار الآخرين، ونفهم دوافعهم، ونكتشف مساحات الاتفاق قبل أن ننشغل بمواطن الاختلاف.

لذلك ينبغي أن يبدأ كل حوار من قاعدة أساسية مفادها أن الطرف الآخر يستحق أن يُسمع كما نحب أن يُسمع رأينا، وأن احترام المتحدث لا يعني بالضرورة الموافقة على ما يقول، وإنما يعني الاعتراف بحقه في أن يعبر عن نفسه دون انتقاص أو إساءة.

ومن أجمل صور احترام الآخر أن نمنحه فرصة كاملة للتعبير، وألا نقاطعه، وألا نتعمد إحراجه أو التقليل من أفكاره. وإذا وجدنا في حديثه خطأً أو تصورًا يحتاج إلى تصحيح، فإن الكلمة الطيبة والحجة الهادئة أكثر قدرة على الوصول إلى العقل والقلب من الصراخ والتجريح.

فالغاية من الحوار ليست هزيمة الإنسان، وإنما الوصول إلى الحقيقة، وتصحيح الفكرة، وحماية العلاقة الإنسانية من أن تتحول إلى ساحة للصراع.

كما أن احترام الآخر يقتضي أن نبتعد عن الحكم المتسرع، وألا نبني مواقفنا على معلومات ناقصة أو انطباعات عابرة. فكثير من الخلافات تبدأ عندما نحكم على النوايا قبل أن نفهم المواقف،

أو نرفض الإنسان بسبب رأي واحد يختلف معنا فيه. ومن هنا يصبح التريث والتفكير العميق والاستماع الجيد أدوات أساسية لصيانة العلاقات الإنسانية وإبقاء مساحة التفاهم مفتوحة.

ولا ينبغي أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، ولا أن يصبح الرأي المختلف مبررًا للإقصاء أو التشهير أو التجريح. فالإنسان الراقي هو من يستطيع أن يقول: «أختلف معك»، دون أن يقول: «أرفضك»، وأن يناقش الفكرة دون أن يهدم صاحبها، وأن ينتقد السلوك دون أن ينتقص من قيمة الإنسان.

إن احترام الآخر يبدأ من أنفسنا، من الطريقة التي ننظر بها إلى الناس، ومن الكلمات التي نختارها عند الحديث عنهم، ومن قدرتنا على ضبط انفعالاتنا حين نختلف معهم. فالكلمة قد تبني جسرًا من المودة،

وقد تهدم علاقة كاملة، وقد تترك في النفس أثرًا لا يزول. ولذلك فإن مسؤولية الإنسان تجاه غيره تفرض عليه أن يجعل لسانه وسيلة للتقارب لا أداة للجرح، وأن يجعل حضوره مصدرًا للأمان لا سببًا للخوف أو الإحباط.

وفي عالم تتسع فيه مساحات التواصل وتتعدد فيه المنصات، أصبحت الحاجة إلى احترام الآخر أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فليس من الإنسانية أن نستخدم وسائل التواصل لتصفية الخلافات أو نشر الإهانات أو التشهير بالآخرين، وإنما يجب أن تكون هذه الوسائل مجالًا لتبادل المعرفة والرأي، وبناء جسور التواصل، وترسيخ ثقافة الاختلاف الراقي.

إن احترام الآخر واجب مقدس؛ لأنه في جوهره احترام للإنسان نفسه، وحماية لقيمة الكرامة التي لا ينبغي أن تكون محل مساومة. وكلما ارتقى الإنسان في تعامله مع غيره، ارتقى في إنسانيته، وأصبح أكثر قدرة على صناعة السلام من حوله.

فلنبدأ بأنفسنا؛ نحترم من يختلف معنا، ونستمع لمن يخالفنا، ونتسامح مع من أخطأ، ونصحح دون تجريح، ونختلف دون كراهية، ونحاور دون تعصب. فالمجتمعات لا تبنى بكثرة الأصوات المرتفعة، وإنما تُبنى بوعي الإنسان، ورقي أخلاقه، وقدرته على أن يرى في الآخر إنسانًا له كرامته وحقه في الاحترام.

إن احترام الآخر ليس ضعفًا، بل دليل قوة الإنسان ونبل أخلاقه وصدق إنسانيته.

حسن النجار يكتب احترام الآخر واجب مقدس يصون كيان الإنسان
حسن النجار يكتب احترام الآخر واجب مقدس يصون كيان الإنسان

حسن النجار

حسن النجار هو رئيس تحرير جريدة «الوطن اليوم» الإخبارية، وكاتب صحفي ومفكر سياسي متخصص في الاقتصاد والعلوم السياسية. يشغل منصب باحث مشارك بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، وعضو المكتب الفني للشؤون السياسية، وعضو لجنة تقصي الحقائق بالتحالف المدني لحقوق الإنسان لدى جامعة الدول العربية. كما يتولى منصب النائب الأول لرئيس لجنة الإعلام بالمجلس الأعلى لحقوق الإنسان الدولية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى